محمد محمد أبو ليلة
114
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
ويتفق بل ووات على الزعم بأن محمدا كان قارئا كاتبا ؛ شأنه في ذلك شأن تجار مكة ، الذين كانت نسبة عدد المتعلمين فيهم لا بأس بها ، هذا مع أن محمدا ، لم يكن تاجرا ، بالمعنى الدقيق للكلمة ؛ ولم تكن التجارة لتملأ حياته صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولم يكن محمد معدودا من كبار التجار ؛ ولم يكن تجار مكة يعدّونه واحدا منهم أبدا ، حتى عندما استعملته السيدة خديجة في التجارة ، ورافق غلامها " ميسرة " في قافلة إلى الشام ومارس المهنة بالفعل . ثم إن القراءة والكتابة لم تكن ضرورية في هذه الأيام بالنسبة للتجار ، ولم تكن كذلك شرطا لتأهيل التاجر ، ولا ضرورة مفروضة على كل من أراد أن يغامر في أعمال التجارة ؛ بل إنها ليست كذلك حتى في وقتنا الحاضر ؛ إذ أن كثيرا من كبار التجار ومهرتهم ، لا يحسنون القراءة والكتابة . ولو أن محمدا كان يكتب ويقرأ ، لنقل إلينا التاريخ ذلك ، ولما أخفاه أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فالعلم شرف ما بعده شرف ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم نفسه ، هو الذي ارتفع بالعلم إلى درجة العبادة ، وإلى حدّ جعل فيه العلم قاعدة الإيمان ، وراعى العقيدة وحاميها ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم هو الذي حثّ أتباعه على تعلم القراءة والكتابة وحثّهم على تعليم أبنائهم وبناتهم ، وجعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة . ونقول مرة أخرى إنه لو كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قارئا وكاتبا لذكر ذلك معاصروه ، ولصار محمد صلى اللّه عليه وسلم في هذا الباب متميزا ؛ لندرة المتعلمين والقارئين والحاسبين بين قومه ؛ ثم إنه ليس من الضروري أن يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم أميا حتى تصح نبوته ؛ وليست الأمّية كذلك ضرورية في إثبات إعجاز القرآن ، وفي التدليل على صدق رسالته صلى اللّه عليه وسلم ، فجميع الأنبياء السابقين كانوا يقرءون ويكتبون ؛ ناهيك بأن ما جاء في القرآن من علوم ومعارف ، تتعدى قدرات أكبر العلماء وأبلغ البلغاء . يقول بل ووات أيضا : " إن المسلمين يعتقدون أن محمدا كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وأن هذا يعزّز القول بإعجاز القرآن ، وذلك لكونه قد جاء به أمّي " . ويزعم المستشرقين كذلك " لم تتفق كلمة علماء المسلمين الأوائل على أمية محمد ؛ وكان مما اختلفوا حوله تطبيق كلمة " أمّي " الواردة في سورة ( الأعراف : 157 - 158 ) ، على محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ حيث قالوا إن كلمة " أمّي " تعنى غير قارئ وغير كاتب " . وأشار بل ووات أيضا إلى ما جاء في سورة ( البقرة : 78 ) ، لتأكيد هذا المعنى وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ، ولكنهما يقدّمان فهما آخر ، خاصا بهما ، للآية ؛ فيقولان إنها تفيد أن المشار